ساسي سالم الحاج
178
نقد الخطاب الاستشراقي
ويعالج « رودنسون » هذا الموضوع في فصل طويل تحت عنوان « مولد دولة » مبتدئا بتعيين دور الرسول باعتباره رسول اللّه من جهة وباعتباره رجلا سياسيّا يمتاز بصفات عظيمة جعلته أهلا لتبوّء المكانة التي وصل إليها كالذكاء ، والعقل ، والتوازن ، والحصافة ، والصبر ، وقدرته على السيطرة على عواطفه ومشاعره ، ولكنه لا يزال يشعر في أعماق ضميره أن اللّه هو الذي يوجهه إلى ما فيه خير أمّته « 1 » . وهكذا عندما استقرّ محمد بالمدينة بني دولة ذات طبيعة خاصة وهي الدولة الثيوقراطية والتي تعني أن السلطة العليا فيها مستمدة من اللّه ذاته . فاللّه هو الذي يوحي لنبيّه بإرادته . ويقول « رودنسون » : « وإذا كنّا نعتقد أن صوت اللّه هو في الحقيقة لا شعور محمد فإننا علينا أن نستنبط من ذلك أننا أمام ملكية مطلقة فمن يستطيع تعديل أو مناقضة أو معارضة إرادة اللّه ؟ » « 2 » . ويجيب « رودنسون » عن التساؤل السابق : إنه من الناحية العملية فإن الأمر ليس بهذه السهولة . فاللّه لا يسمع صوته إلّا في المناسبات الكبيرة . لأن القرارات اليومية التي تسيّر الجماعة الإسلامية تعتمد بصورة عامة على رؤساء القبائل . وأنّ النبي من الناحية النظرية وطبقا للوثيقة التي وصفت بدستور المدينة ليس إلّا حكما . ولكن دوره حقيقة يتعدّى هذا الاختصاص إلى حدّ كبير ، بحيث لا يمكن اتخاذ أية قرارات حاسمة بدون أو ضد موافقته . ولكنه عند اتخاذه للقرارات الهامة فإنه يستشير أصحابه خاصة أبا بكر وعمر . ويعتقد « لامانس » أن أبا عبيدة وصاحبيه أبا بكر وعمر يؤلّفون مجلسا استشاريّا للرسول ويديرون عمليّا سياسته الداخلية والخارجية . ويعلّق « رودنسون » على هذا الرأي قائلا : إنه توجد بعض الحقائق حول هذه النظرية ولكن لا يجب الاندفاع بها بعيدا فالقرار النهائي كان دوما في يد محمد « 3 » . ثم يستطرد « رودنسون » في ترسم ملامح الدولة الجديدة التي بناها الرسول في مدينته . فهو الذي يقرّر الحرب والسلام ، وبالرغم من أنه لم ينظم جيشا نظاميّا ثابتا فإنه كان يدعو رؤساء القبائل قبل كل معركة حربية إلى استدعاء المتطوعين . وبعد استعراضهم يستثني منهم الضعفاء وغير المرغوب فيهم . ويسمّي رؤساء الفرق ، ويتولّى
--> ( 1 ) RODINSON , Mahomet , op , cit , p . 250 . ( 2 ) Ibid , op . cit , pp . 254 - 255 . ( 3 ) Ibid , op . cit , pp . 255 - 256 .